محمد بن جرير الطبري
157
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ يقول تعالى ذكره : قالت عاد لهود : أجئتنا تتوعدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدين كي نعبد الله وحده وندين له بالطاعة خالصا ونهجر عبادة الآلهة والأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها ونتبرأ منها ؟ فلسنا فاعلي ذلك ولا متبعيك على ما تدعونا إليه ، فأتنا بما تعدنا من العقاب والعذاب على تركنا إخلاص التوحيد لله ، وعبادتنا ما نعبد من دونه من الأوثان إن كنت من أهل الصدق على ما تقول وتعد القول في تأويل قوله تعالى : قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ . . . إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ يقول تعالى ذكره : قال هود لقومه : قد حل بكم عذاب وغضب من الله . وكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لنا عنه ، يزعم أن الرجز والرجس بمعنى واحد ، وأنها مقلوبة ، قلبت السين زايا ، كما قلبت شئزوهي من شئس بسين ، وكما قالوا قربوس وقربوز ، وكما قال الراجز : ألا لحى الله بني السعلات * عمرو بن يربوع لئام النات ليسوا بأعفاف ولا أكيات يريد الناس . وأكياس فقلبت السين تاء ، كما قال رؤبة : كم قد رأينا من عديد مبزي * حتى وقمنا كيده بالرجز وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : الرجز : السخط . حدثني بذلك المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ يقول : سخط . وأما قوله : أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فإنه يقول : أتخاصمونني في أسماء سميتموها أصناما لا تضر ولا تنفع أنتم وآباؤكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يقول : ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجون بها ولا معذرة تعتذرون بها . لأن العبادة إنما هي لمن ضر ونفع وأثاب على الطاعة وعاقب على المعصية ورزق ومنع ، فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس فإنه لا نفع فيه ولا ضر ، إلا أن تتخذ منه آلة ، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه ؛ لأن الله يأذن بذلك ، فيعذر من عبده بأنه يعبده اتباعا منه أمر الله في عبادته إياه ، ولا هو إذ كان الله لم يأذن في عبادته مما يرجى نفعه أو يخاف ضره في عاجل أو آجل ، فيعبد رجاء نفعه أو دفع ضره . فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ يقول : فانتظروا حكم الله فينا وفيكم ، إني معكم من المنتظرين حكمه وفصل قضائه فينا وفيكم . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يقول تعالى ذكره : فأنجينا نوحا والذين معه من أتباعه على الإيمان به والتصديق به وبما عاد إليه من توحيد الله وهجر الآلهة والأوثان بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يقول : وأهلكنا الذين كذبوا من قوم هود بحججنا جميعا عن آخرهم ، فلم نبق منهم أحدا . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا قال : استأصلناهم . وقد بينا فيما مضى معنى قوله : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا بشواهده بما أغنى عن إعادته . وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ يقول : لم يكونوا مصدقين بالله ولا برسوله هود . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا . وثمود : هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ، وهو أخو جديس بن عابر ، وكانت مساكنهما الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله . ومعنى الكلام : وإلى بني ثمود أخاهم صالحا . وإنما منع ثمود ، لأن ثمود قبيلة كما بكر قبيلة ، وكذلك تميم . قال : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول : قال صالح لثمود : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك